الشيخ البهائي العاملي
161
الكشكول
الآية زيادة بصيرة . الأول : إنه إذا تعلق بفأتوا فمن للابتداء قطعا إذ لا مبهم تبين ولا سبيل إلى البعضية لأنه لا معنى لاتيان البعض ولا مجال لتقدير الباء مع من كيف وقد ذكر المأتي به صريحا وهو السورة ، وإذا كانت من للابتداء تعين كون الضمير للعبد لأنه المبدأ للإتيان لا مثل القرآن فيه نظر ، لأن المبدأ الذي يقتضيه من الابتدائية ليس الفاعل حتى ينحصر مبدأ الاتيان بالكلام في التكلم ، على أنك إذا تأملت فالمتكلم ليس مبدأ للاتيان بكلام غيره بل بكلام نفسه ، بل معناه أنه يتصل به الأمر الذي اعتبر له امتداد حقيقة أوتوهما كالبصيرة للخروج ، والقرآن للاتيان بسورة منه . الثاني : إذا كان الضمير لما نزلنا ومن صلة فأتوا كان المعنى فأتوا من منزل مثله بسورة ، فكان مماثلة ذلك المنزل بهذا المنزل هو المطلوب لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا ، وظاهر أنّ المقصود خلافه كما نطقت به الآي الآخر وفيه نظر ، لأنّ إضافة المثل إلى المنزل لا يقتضي أن يعبر موصوفه منزلا ، ألا ترى أنه إذا جعل صفة سورة لم يكن المعنى من منزل مثل القرآن بل من كلام وكيف يتوهم ذلك ؟ والمقصود تعجيزهم عن أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام من مثل القرآن ، ولو سلم فما ادعاه من لزوم خلاف المقصود غير بين ولا مبين . الثالث : أنها إذا كانت صلة فأتوا كان المعنى فأتوا من عند المثال كما يقال ائتوا من زيد بكتاب أي من عنده ولا يصح من مثل القرآن ، بخلاف مثل العبد وهذا أيضا بين الفساد انتهى . وقد الهمت لحل الكلام في فناء بيت اللّه الحرام ما إذا تأملت فيه عسى أن يتضح المرام فأقول : وباللّه التوفيق ، وبيده أزمة التحقيق ، إنّ الآية الكريمة ما أنزلت الا للتحدي وحقيقة التحدي هو طلب المثل عمن لا يقدر على الإتيان به ، فإذا قال المتحدي : فأتوا بسورة بدون قوله من مثله ، كل أحد يفهم منه أنه يطلب سورة من مثل كل القرآن ، وإذا قال : ائتوا من مثله بدون قوله بسورة كل أحد يفهم منه أنه يطلب من مثل القرآن ما يصدق عليه أنه مثل القرآن ، أي قدر كان ، سورة أو أقل منها أو أكثر ، وإذا أراد المتحدي الجمع بين قوله بسورة وبين قوله من مثله فحق الكلام أن يقدم من مثله ويؤخر بسورة ، ويقول : فأتوا من مثله بسورة ، حتى يتعلق الأمر بالإتيان من المثل أولا بطريق العموم وكان بحيث لو اكتفى به لكان المقصود حاصلا ، والكلام مفيدا لكن تبرع ببيان قدر المأتي به فقال بسورة فيكون من قبيل التخصيص بعد التعميم في الكلام والتبيين بعد الإبهام في المقام . وهذا الأسلوب مما يعني به البلغاء . وأما إذا قال فأتوا بسورة من مثله على أن يكون من مثله متعلقا بفأتوا يكون في الكلام حشوا ، وذلك لأنه لما قال بسورة : عرف أن المثل هو المأتي منه ، فذكر من مثله على أن يكون متعلقا بفأتوا يكون في الكلام حشوا وكلام اللّه منزه عن هذا . فلهذا حكم بأنه وصف للسورة .